الخروج من كهف أفلاطون
هاقد جاء أوانُ الكلام عن واحدةٍ من أهم تجلِّيات المعلوماتيَّة المعاصرة التى تجتاح العالم .. والتى نتمنىَّ أن تغمر أرضُ المعرفة فى مجتمعنا المصرى المعاصر ، باعتبارها مقوِّماً من مقومات المعاصرة التى نتمنَّى اللحاق بها ، وأساساً من أسس التحديث الذى نرجو استكماله .. تلك هى (الإنترنت) أو الشبكة العالمية Intarnational Net التى تعد اليوم : شبكة الشبكات .
كان ابتداء أمر هذه الشبكة فى أمريكا ، حيث صمموها هناك لتكون أداة ربطٍ واتصالٍ وتعرُّفٍ ، فى البنتاجون الأمريكى .. فهاجت شهية مشاغبى الكمبيوتر لاختراقها ، وبالفعل اخترقها العديد من عباقرة الجيل الجديد من الشباب البارع فى استخدام الكمبيوتر فما كان أمام أصحاب الشبكة إلا إباحة الدخول عليها وإتاحة الاشتراك بها لكل من يريد أن يعرف .. وسرعان ما ذاع أمر الشبكة ، وتكدَّست بها المعلومات ، وصارت بمثابة (حقيبةٍ معرفية) يضع فيها المعلومات كل مَنْ شاء ، ويأخذ منها مَنْ يشاء ! هذا علاوة على كونها وسيلةَ اتصالٍ فائقة السرعة بين المشتركين ، من خلال ما يسمى بالبريد الإلكترونى E.mail..
واتصالُ الشبكة ليس عن طريق الأقمار الصناعية Satalaite وإنما يتصل المشتركون بالشبكة ، ببعضهم البعض ، عن طريق نظام سلكى (كابل) يتم بربط النظام السلكى القديم (التليفون) بجهاز الكمبيوتر ..ومنذ سنواتٍ قليلة ، عَبَرَ كابل الشبكة (المحيط الأطلنطى) وصارت الشبكة تتنفَّس تحت الماء ، لتصل أنفاسها - أعنى إمكانياتها الفائقة - إلى أوروبا .. ثم أفريقيا وآسيا .. ثم جميع أنحاء العالم .
ولما أصبحت الشبكةُ عالميةً (إنترنت) دخلتْها من كل أنحاء العالم قواعدُ بياناتٍ ، وملفات معلومات ، وشبكاتٍ فرعية لا تكاد تقع تحت الحصر.
ولن أنسى ما حييت ، لحظة دخولى هذه الشبكة أول مرة .. كان ذلك ليلة صيف هادئة (العام 1994) وكان الليل يمضى بينما أسعى لعمل التوصيلات ، حتى انتصف الليل أو زاد على النصف قليلاً .. حدث الاتصال بعد صفيرٍ عجيبٍ أطلقه جهاز (المودم) الذى يصل ما بين التليفون وجهاز الكمبيوتر . فكان هذا الصفيرُ علامةَ لحظة الخروج من كهف أفلاطون . وللأمر إيضاحٌ :
كان الفيلسوف اليونانى الكبير أفلاطون يضرب الكثيرَ من الأمثلة القصصيَّة لتقريب فلسفته للأذهان .. وقد اشتهرت هذه القصص والأمثولات فى تاريخ الفلسفة باسم : أساطير أفلاطون (مع أنها ليست أساطير بالمعنى الدقيق للأسطورة) .. ومن أشهرها (أسطورة الكهف) حيث أراد أفلاطون أن يعبِّر عن العملية الجدلية التى ينتقل خلالها العقل من عالم المحسوسات ، ذلك العالم الأدنى (المتغير، الناقص ، المشوَّه ..) إلى عالم المثل والأفكار ، ذلك العالم الأعلى ، الأزلى ، الكامل ، البهى ! فقال :
كانت جماعةٌ من البشر فى كهفٍ ، لم يخرجوا منه قط ، وكانوا مقيدين فى سلاسل وأصفاد لا تترك للواحد منهم حرية الحركة والالتفات يميناً أو شمالاً ، فوجوههم متجهة دوماً نحو الجدار الداخلى للكهف ، فلم يروا فى حياتهم غيره .. غير أنَّ جذوةَ نارٍ ملتهبة كانت تتراقص ألسنتها خلفهم ، فكلما تراقصت ألسنةُ اللهب ، تحرَّكت صورهم على جدار الكهف . ولأنهم لم يروا فى حياتهم غير ظلام الكهف والخيالات البادية على الجدار ، فقد ظنَّ هؤلاء أن هذه هى الحقيقة! بَيْدَ أنه فى لحظةٍ ما ، استطاع أهل الكهف أن يتحرَّروا من القيود ، فتمكَّنوا من الحركة والالتفات ، فشاهدوا النار من خلفهم ، وعرفوا أن ما شاهدوه طيلة عمرهم هو أشباحٌ وظلالٌ متراقصة على الجدار الداخلى .. وساروا نحو مدخل الكهف المظلم حتى خرجوا منه ، فإذا بالشمس الساطعة تؤذى عيونهم فى الوهلة الأولى ، ثم تعتاد أبصارهم الضوء فيشاهدون الأشياء فى ضوء النهار ، ويشاهدون أنفسهم أيضاً .
تلك هى (أسطورة الكهف) التى صاغها أفلاطون فى محاورة (الجمهورية) جاعلاً أهل الكهف المقيدين ، رمزاً للإنس














